08-2840531 عمارة الغول - الطابق الرابع

غزّة.. بأيّ ذنب تحاصر؟

غزّة.. بأيّ ذنب تحاصر؟

وكالات_خنساءفلسطين 

زينب لمحمود

غزة.. حينما تحاصر الإنسانيّة، ويعدم الضمير، وتسلب الإرادة، ويلجأ اللاجئ، ويظلم المظلوم، ويجلد المجلود، ويجرح المجروح، ويشرّد المشرد، ليس لسبب سوى أنه يقول: هذا وطني، وهذا ترابي، وهذا هوائي، وهذا مائي، أنا إنسان، أنا جسد وأنا روح، وأنا... أنا حرّ.
من أرضهم شرِّدوا وطردوا، تحت وطأة الظلم والنار، وجبروت الاستعمار، تشتَّتوا في بقاع غريبة وقريبة، كلّ بحسب قَدَرِه، احتلال بغيض حرق منازلهم فوق رؤوسهم، وسباهم أرضهم وديارهم، مزارعهم وحقولهم، تحت مرأى ومسمع العالم الذي سكت ظلماً وجبناً ومكراً، استقرُّوا حيث لا مجال للمضي قدماً، فالبحر أمامهم والعدوّ من حولهم، من تحتهم، من فوقهم، سلبهم كلّ ما يملكون، وجرّدهم من كل مقومات العيش، لكنه عجز عن سلبهم إرادتهم، زرعوا بذور حريتهم التي نمت وترعرعت على الرغم من كل ما يحيط بها، وها هي بذور الحرية الغزيّة تبهر العالم.
غزة.. شوكة في حلق المعتدي، جحيم الظالمين، مقبرة الغزاة، يراد لها الركوع، يراد لها الخضوع، عشر سنين من الحصار المرّ، برّاً وبحراً وجوّاً، أمام أعين الإنسانيّة الصامتة، طفل يموت وشيخ يحتَضر، وامرأة تصرخ، وبيوت لا تؤوي، وبراءة حائرة، ودموع حارّة، ويلات وويلات، ظلم وظلمات، وزد على ذلك ما شئت من صور القهر الذي حلّ بتلك البقعة من العالم.
غزّة.. بقعة صغيرة محاصرة، يقطنها مليونا فلسطيني، لا تكاد تجد متراً خالياً من البشر، أو ما يرتبط بعيشهم، يُفرض عليها الحصار من عدوٍّ بائنٍ، من محتل جائر، من سارقٍ، وغازٍ، ومِن حوله عبيده الذي يطردون الذباب عن وجهه القبيح، وينضحونه بالبخور طرداً لنتنه، ويزينون مقامه ومكانه، ومن دون مقابل، سوى حب الاستعباد والانحطاط، ونكاية بكلّ إنسان صاح في وجه الظلم قائلًا: انصروا الإنسانيّة، كفى قهرًا كفى ظلمًا كفى ... كفى.
إن نصرة الإنسان وقضاياه والوقوف إلى جانبه هو واجبُ الضمير، وحق مشروع لكل ذي قلب ولبّ، فمن ينصر الإنسان هو صديق الحياة وهو رسول سلام وأمان، وهو بانٍ ومعمِّر للأرض التي استخلفه الله بها، إننا نفخر بكلّ يد تمدّ لتمسح دمعة طفل وتطبب جرح مكلوم، وتعيد البسمة المسلوبة إلى وجوه اكفهرت برماد الطغيان ودخانه الأسود.
لسنا مع من يصب الدم في كؤوس المقهورين، لسنا مروجي فتنة ولا صناع انقلابات، ولا تجار دم ودين، ولا عبيدًا لأحد، نحن أحرار وسنبقى، نحن إنسانيون، وستبقى بصماتنا الإنسانيّة واضحة في كل بقعة من بقاع العالم، في غزة.. وإفريقيا، وأوروبا وأميركا وآسيا.. في كلّ بقعة مضطهدة، تجدنا نطبب ونداوي ونعالج، ندفع البلاء، ونهدي الدواء والغذاء، ونصلح ونعمِّر، من دون مقابل، وعلى الغربان أن تقنع البشر أننا غير ذلك، وهيهات لهم ذلك...، فالشمس لا تغطى بغربال... نحن مع العدل مع الحق مع الإنسانيّة، وهيهات لنا أن نذل.
المصدر: صحيفة العرب القطرية