08-2840531 عمارة الغول - الطابق الرابع

مأزق إسرائيل فى انحسار «داعش» بسوريا

مأزق إسرائيل فى انحسار «داعش» بسوريا

غزة _خنساء فلسطين

د‏.‏ محمد السعيد إدريس

الأحداث المتسارعة فى سوريا سواء على جبهة انتشار الجيش السورى بشكل واسع فى معظم أنحاء سوريا على حساب مناطق كانت تسيطر عليها فصائل معارضة، أو على جبهة القضاء على تنظيم «داعش» فى معقله الأهم بمحافظة «الرقة» باتت تفرض البحث عن إجابات للكثير من الأسئلة المهمة. بعض هذه الأسئلة يتعلق بمعالم التسوية السورية، وبالذات ما يتعلق بمستقبل نظام الحكم.. هل ستبقى سوريا دولة مركزية موحدة أم أن الحل الفيدرالى أخذ يفرض مرتكزاته وأرجحيته من خلال ما يتم تأسيسه الآن من أربع مناطق لـ «خفض التوتر» فى مناطق سورية مختلفة تحمل معالم التقسيم الفيدرالي، وبعضها يتعلق بتقسيم الغنائم ومناطق النفوذ وبالذات بين روسيا والولايات المتحدة، هل ستتقاسم القوتان النفوذ فى سوريا، أم أن روسيا سوف تتسيد الموقف بتفاهم مع واشنطن، التى أخذت تعطى جُل تركيزها على العراق، وبعثت وزير دفاعها جيمس ماتيس إلى بغداد وأربيل (عاصمة إقليم كردستان العراق) مؤخرا لترتيب مستقبل الوجود والنفوذ العسكرى والسياسى الأمريكى فى العراق بعد اكتمال الانتصار على «داعش» والانتهاء من تحرير مدينة «تلعفر».

لكن هناك أسئلة أخرى تتعلق بالصراع المتصاعد بين القوى الإقليمية الثلاث: إيران وتركيا وإسرائيل حول نفوذ كل منها، أين يبدأ وأين ينتهي. هذه الأسئلة هى الأصعب وبالتحديد بالنسبة لإسرائيل التى أضحت تواجه تحديات هائلة فى سوريا على ضوء مجموعة من التطورات والمتغيرات شديدة الأهمية.

أول هذه المتغيرات ما باتت تدركه إسرائيل من عزوف أمريكى على فرض نفوذها ووجودها العسكرى والسياسى فى سوريا، بل إن هذا العزوف وصل إلى درجة التفكير فى الخروج الأمريكى من سوريا بعد استعادة مدينة «الرقة» من قبضة تنظيم «داعش» الإرهابي، علاوة على ما تلاحظه إسرائيل من تبدل فى أولويات الرئيس ترامب، حيث لم تعد سوريا واحدة من أولوياته فى ظل انغماسه فى معاركه الداخلية المتصاعدة، علاوة على تفرعاته فى إدارة صراعاته الخارجية التى تمحورت مؤخراً حول كوريا الشمالية وأخذت تمتد جنوبا فى أمريكا اللاتينية.

ثانى هذه المتغيرات هو هيمنة روسيا، بتوكيل أمريكى إن جاز التعبير، على إدارة وهندسة مستقبل الأزمة السورية، وهذا يعطى لروسيا أن تقود هذه الهندسة وفق المصالح الروسية أولا، ومراعاة أيضا لمصالح حلفائها وفى مقدمتهم إيران التى تقاتل على الأرض فى مساحات واسعة من الأراضى السورية بمساندة «حزب الله» وميليشيات شيعية أخري. هذا يعنى أن إيران سيكون لها حتماً نصيب معتبر فى «الكعكة» السورية، ويعنى أيضاً أن مصالح إسرائيل فى سوريا ليس لها من يدافع عنها بقوة، ويأخذها فى الاعتبار، أو على الأقل لا يعطيها الاهتمام الكافي، ولا يرى ما تعتبره إسرائيل «خطوطا حمراء».

ثالث هذه المتغيرات ذلك التقارب المثير والطارئ الذى أخذ يفرض نفسه على العلاقات التركية- الإيرانية، بسبب ما يمكن اعتباره «خطر اكردياً» على ضوء مسعى أكراد العراق لإجراء استفتاء على حق تقرير المصير فى إقليم كردستان العراق يوم 25 سبتمبر المقبل، ما يعنى فرض انفصال إقليم كردستان عن العراق بإرادة كردية مستقلة، وعلى ضوء انخراط حزب الاتحاد الديمقراطى الكردى السورى وميليشياته المدعومة أمريكياً والمعروفة باسم «وحدات حماية الشعب» بتنظيم انتخابات محلية وإدارية فى مناطق شمال سوريا الخاضعة لسلطتها فى سبتمبر المقبل أيضاً من شأنها إقامة فيدرالية كردية على الحدود مع تركيا. هذه التطورات تعتبرها تركيا وإيران خطرا وجوديا يستلزم تنسيقا عالى المستوى بين البلدين لمواجهته، لأن الانفصال الكردى فى العراق وسوريا يمكن أن يقود إلى دعوات انفصالية مشابهة لأكراد تركيا وإيران ومن ثم تهديد التماسك والوحدة الوطنية والاستقرار فى هذه الدول.

هذا الخطر دفع رئيس الأركان الإيرانى لزيارة أنقرة بصحبة وفد عسكرى كبير، ودفع الرئيس التركى رجب طيب إردوغان للحديث عن اتفاق على إجراء عمليات عسكرية إيرانية- تركية مشتركة ضد جماعات إرهابية كردية، وإلى اعتزام إردوغان زيارة طهران، وربما يسبقه رئيس الأركان التركى إلى العاصمة الإيرانية للتباحث فى كل تفاصيل التنسيق العسكرى بين البلدين.

إسرائيل تراقب هذا التطور الذى تراه خطيرا، لأسباب كثيرة أبرزها أنه حتما لن يقتصر على التعاون العسكرى والأمنى والسياسى لمواجهة ما يعتبر «تهديدا كرديا»، بل سيمتد إلى التعاون والتنسيق المشترك بخصوص سوريا الجديدة ومصالح البلدين هناك، الأمر الذى تراه تل أبيب مزعجا ومثيرا للقلق.

أما رابع هذه المتغيرات، وربما أخطرها، هو انحسار نفوذ تنظيم داعش» الذى يجئ مقترناً بالعزوف الأمريكى عن البقاء فى سوريا. هزيمة «داعش» فى سوريا، وقبله هزيمته فى العراق، تضع إسرائيل فى موقف المواجهة المباشرة مع الصراع فى سوريا. حالة الذعر الإسرائيلية الناتجة عن قرب انتهاء دور «داعش» التدميرى لدول عربية أساسية خاصة العراق وسوريا، تطرح الكثير من «التساؤلات المكبوتة» على مدى الأعوام القليلة الماضية حول علاقة إسرائيل بهذا التنظيم الإرهابي، فى ظل معلومات أخذت تتواتر عن أن إسرائيل كان لها دور كبير فى إنشاء هذا التنظيم وتفعيله بكوادر عالية الكفاءة فى جميع المجالات. ويفاقم من خطورة انتهاء تنظيم «داعش» ودوره بالنسبة لإسرائيل إدراك تل أبيب لحقيقة أن الحليف الأمريكى يفضل الانسحاب من المشهد السوري.

هذه التطورات أخذت تضع إسرائيل فى مأزق لا تملك أدوات حل ألغازه، وبوضوح أكثر بدت إسرائيل عارية تماما وعاجزة عن أن تكون القوة الإقليمية العظمى القادرة على إدارة الأحداث. بدت ضعيفة منزعجة، من هنا كان استنفارها لعلاقتها مع الولايات المتحدة وقيام رئيس حكومتها بزيارة سريعة وطارئة لروسيا للقاء الرئيس الروسى بعد تعثر الوصول إلى الدعم المأمول من واشنطن.

متابعة نتائج زيارة الوفد الأمنى الإسرائيلى المرموق برئاسة رئيس «الموساد» يوسى كوهين وعضوية عدد من أبرز الكوادر الأمنية والاستخباراتية للتباحث حول هذا المأزق غير المسبوق، مأزق العجز عن مواجهة الخطر، تكشف أن الزيارة لم تحقق أغراضها، وكذلك زيارة بنيامين نتنياهو لروسيا ولقاؤه الرئيس فلاديمير بوتين.

فماذا عساها إسرائيل أن تفعل: هل تتورط فى حرب جديدة للهروب من المأزق سواء فى لبنان أو فى غزة أو حتى فى سوريا أم لديها خيارات أخرى بديلة؟، هذا هو المأزق الذى لايريد الإسرائيليون تصديقه بعد خروج «داعش» من حلبة الصراع وأضحت إسرائيل وجها لوجه مع تحديات لم يعد ممكنا إدارتها بـ «الوكالة».