08-2840531 عمارة الغول - الطابق الرابع

ظاهرة عِناد الأطفال

ظاهرة عِناد الأطفال

خنساء فلسطين –  غزة

ميساء أبو ستة

تَصُب غالبية شكاوى الأمهات من أبنائهن (أطفالا و مراهقين ) ضمن ظاهرة عِناد الأبناء والذي يمكن تعريفه وفقا لهن بأنه رفض الأبناء إطاعة الأوامر بهدف المناكفة والاستفزاز لا غير، في حين أن الِعناد يُعتبر مرحلة في حياة الإنسان، قبل أن يتحول إلى سلوك مرافق له بحاجة لتعديل وعلاج، معنى ذلك أن جميع أبنائنا لابد أن يمروا بمرحلة العناد، فالطفل المطيع سيعيش العِناد رُبما في مرحلة المراهقة أو حتى في مرحلة الشباب، والطفل العنيد قد يصبح مطيع جدا وعقلاني إذا ما تم التعامل معه ضمن هذه المرحلة بطريقة صحيحة، أما إذا حدث العكس فإن العناد هنا يتحول إلى سلوك يستمر معه ويتطور وفقاً للمرحلة العمرية.

وبالحديث عن حلول هذه المشكلة أو طرق التعامل مع العِناد لابد أن نعرف الأسباب التي تدفع الأبناء لذلك وهناك سببان أساسيان:

أولا: محاكاة الأهل وتقليدهم، فالطفل يولد على الفطرة السليمة، والطاعة لما هو طبيعي وموافق لحاجاته كما يراها هو من وجهة نظره، فرفض طلبات الطفل التي يرى أنه يحتاجها وأنها صحيحة ولا يحق لأحد منعها عنه دون إبداء أي أسباب لهذا الرفض تدفعه مع الوقت إلى تقمص هذا الدور وبالتالي رفض أوامرهم دون إبداء أسباب مقنعة.

 ثانيا: يعاند الأبناء كمحاولة منهم لإيصال رسالة للأهل بأننا هنا، قادرين على اتخاذ القرار حتى وان كان هذا القرار هو رفض قراراتكم ومعاندتها، المهم أن تعلموا بأننا موجودين وأن نشعر نحن الأبناء بهذا الوجود وهذه الاستقلالية من خلال ما نراه مناسباً.

أما فيما يتعلق بالحلول ومواجهة عِناد الأطفال فيمكن إيجازها في التالي:

العمل على توضيح أسباب قراراتنا وتبريرها للأبناء عُقب كل قرار نُقِره كأهل أو طلب نرفضه، وهنا أذكر ما وقع مع فتاة في الثالثة عشر من عمرها كانت متعلقة جدا بصديقتها وتتحدث عنها كثيرا في البيت، وتمدح سلوكها وكيف قضت يومها في المدرسة برفقة هذه الصديقة الرائعة، وفي كل مرة كانت الأم تغضب من ابنتها غضب شديد وتأمرها أن تقطع علاقتها بهذه الفتاة، وتصفها بأسوأ الصفات، وكثيراً ما لجأت هذه الأم لعقاب ابنتها لاستمرارها في علاقتها بتلك الصديقة، وكانت ترى أن ما تفعله ابنتها ما هو إلا تحدٍ لقرارها وعِناد لاستفزازها لا أكثر ، وذات يوم احتد الحوار بين الابنة والأم حول هذا الموضوع إلا أن الابنة طلبت من أمها أن تُعطيها سبب مقنع بقطع علاقتها بهذه الصديقة ووافق جميع أفراد الأسرة الابنة في طلبها وبعد إصرار منهم أخبرتهم الأم بأن أم هذه الفتاة كانت زميلتها في المدرسة وكانت لا تُحبها وكثيرا ما تسببت لها بالمشاكل، وكانت تتعمد إيذائها أمام زميلاتها، لذلك هي تكره أن تسمع أي شيء عنها أو عن أحد من عائلتها، ومنذ ذلك الوقت توقفت الفتاة عن ذكر محاسن صديقتها مُراعاة لوالدتها، واحتراماً لمشاعرها.

يوضح لنا الموقف السابق كم هو سهل تفادي عِناد الأبناء، ورفضهم للأوامر من خلال توضيح أسباب هذا الأمر أو ذاك، فقرارنا ألا تحصل على هاتف محمول ما هو إلا خوفا عليك، لأنك ما زلت صغير ويمكن أن يتم استغلالك من خلاله أو تعرضك للخطر، ونوضح مواقف سمعنا عنها ونخاف أن تقع معه، ونعطيه البدائل المتاحة والممسوحة لا أن يكون الرفض قاطع فمثلا: يمكنك استخدام هاتف والدتك للتواصل مع أصدقائك، أو تصفح بعض المواقع، وسوف تحصل على هاتفك الخاص عندما تصل إلى العمر المناسب لذلك.

أما السبب الثاني للعِناد فهو مرتبط بالأول فإذا ما أعطينا الأبناء الفرصة لفهم وجهة نظرنا واستمعنا باهتمام لوجهة نظرهم، وأبدينا اهتمامنا الكامل بآرائهم واحترامنا لهم ولقراراتهم محاولين الالتقاء معهم عند نقاط اتفاق مشتركة، فنحن هنا نقول لهم نحن نؤمن بكم ونُقدر مشاعركم، ونحترم أفكاركم فلن يلجئوا للعِناد ليلفتوا الأنظار لوجودهم، لأنهم يعرفون سلفاً بأن المجال متاح لهم لإثبات نفسهم والمشاركة في القرارات المهمة المتعلقة بالعائلة لأنهم جزء مهم فيها.

العِناد ظاهرة اجتاحت البيوت منذ الأزل وهو ما يُطلق عليه البعض صراع الأجيال، باختلاف وجهات النظر والقواعد والعادات ولكن المسئولية الأكبر تقع على عاتقنا نحن كأهل فلا يجب لوم الأبناء على ذلك، لضيق أفقهم وقلة خبرتهم بالحياة، لذا وجب علينا البحث عن نقاط الالتقاء معهم وتوطيدها، ومحاولة تقليص نقاط الخلاف قدر المستطاع، فبدلا من البحث عن طرق لعقابهم والاستمرار في زجرهم واتهامهم، دعونا نأخذ دوراً أكثر ايجابية فيوماً ما سيصبحون آباء وسيدركون حقيقة مساعينا وخوفنا عليهم.