08-2840531 عمارة الغول - الطابق الرابع

"للمبشرين بالحرب على غزة" للكاتب عبد الرحمن شهاب

بقلم: عبد الرحمن شهاب - مدير مركز أطلس للدراسات

 من المفترض في الكاتب غير المأجور أن يكون الأعقل والأحرص على الاستقرار النفسي النسبي للمجتمع، خصوصًا في ظل اللا استقرار. وعندما نتحدث عن النبوءات التي تحقق ذاتها، ربما نجد أنفسنا يومًا في حرب نتيجة التسخين الناتج عن تقديرات هوجاء وتفكير سطحي، خاصة وأن هناك في الطرف الآخر من المعادلة (الاحتلال) من يشبهون ما لدينا من "محللين" و"خبراء" و"مثقفين".

فرضيات ينطلق منها محللو الحرب

ينطلق محللو الحرب والمبشرون بها من الفرضيات الخاطئة التالية:

 - يفترضون بأن ضغط الحصار على غزة سيؤدي حتمًا إلى انفجار سكاني أو انفجار عسكري بالضرورة، وأن سلوك الحصار سيستمر بنفس الوتيرة إلى ما لا نهاية حتى يصنع الانفجار. ويتجاهلون أن للعدو الذي يحاصر القطاع مصالح استراتيجية، وأنه عدو متمرس في الحفاظ على الاستراتيجية وتحكمه مؤسسات تضع رؤيتها الاستراتيجية على أعلى سلم الأولويات، وأن المتطرفين لا يمكنهم أن يحددوا مسار دولة إسرائيل حسب رؤيتهم، حتى لو كان منهم وزير أمن.

 

- يطنون بأن العدو لا يحتمل أن تندلع مواجهة لم يحضّر لها الرأي العام الدولي ضد الفلسطينيين، خصوصًا ان الرأي العام ما زال يعتبر الاحتلال هو السبب في المأساة الفلسطينية، وسيعتبر ان الانفجار لو تم سيكون سببه إسرائيل.

 

- يفترضون بأن عهد ترامب لا يمكن تخريبه، ويظنون أن الفرصة ستستغلها إسرائيل لتدمير ما يمكن تدميره، متجاهلين ان إسرائيل أخذت ما أرادت من ترامب، وأنها أحرص على مصالحها من ترامب، وأنه ليس لديه غير ذلك ليعطيها، وأن أي حرب قد تقلب الطاولة وتلغي ما منحه لهم ترامب.

 

- يبدو أنه تسللت إليهم الفرضية التي اقتنع بها الاحتلال، ووفق هذه الفرضية فإن الحصار يمكن أن يدفع بالمجتمع للثورة ضد الحاكم ويسقطه؛ فيما فشلت هذه السياسة في كل الدول العربية والإسلامية، وعلى راسها العراق وسوريا، والآن غزة، فهي سياسة فاشلة، فلا يقوم شعب بالانتفاض ضد قيادة تخوض معركة مع الاحتلال.

 

- لم يكتشفوا بعد أن الجيش الإسرائيلي قد توصل إلى استنتاج بأنه في الظروف السياسية الحالية يجب تفضيل حكم حماس، ولا بديل عن ذلك، فالسلطة لا تريد القدوم إلى غزة ولن تستطيع لو أرادت. الاستراتيجية الإسرائيلية الثابتة بالنسبة للقطاع هي استمرار الانقسام، وأي عملية عسكرية في القطاع في ظل التوتر الحادث في الضفة سيقلب الطاولة على هذه الاستراتيجية، ويعيد المشروع الفلسطيني إلى سياقه الأول.

 

- جزء من هؤلاء المحللين ينطلقون من فرضية أن المعركة القادمة مع غزة هي المعركة الأخيرة، ويتناسون أن من مميزات المعركة الأخيرة أنه سيترتب عليها انتصار حاسم وواضح لأحد الطرفين، بحيث ان المهزوم سيرفع الراية البيضاء ويستسلم، ومن وجهة نظرهم فإن حركة حماس ستستسلم، متناسين ان استسلام الفصائل (الأقل من دولة) شيء مستحيل، كما لا يمكن تنظيف المجتمع منها عسكريًا كونها جزءًا من المجتمع، وتجارب الدول زاخرة بالفشل في هذا الاتجاه.

 

- يفترضون بأن إسرائيل جاهزة لتنظيف غزة من السلاح، متناسين أنها لا تقبل باحتلال قطاع غزة دون وجود جهة تتحمل مسؤولية القطاع، فهي غير قادرة على تحمل المسؤولية، ولو كانت إسرائيل قادرة على الحسم مع القطاع لما انسحبت منه عام 2005، فهي لم تنسحب لتعود لدفع الثمن في ظروف أصعب. كما ان السلطة لا تستطيع القبول بالذهاب على ظهر الدبابة الإسرائيلية، ولا تريد الذهاب بدون الدبابة الإسرائيلية ما دام هناك سلاح متكدس في القطاع.

 

- ينسى بعضهم أن هدف الحصار على قطاع غزة هو ترويض حركة حماس للقبول بتفاهمات وتعاون مع الاحتلال، حتى لو كانت اتفاقيات غير موقعة؛ ولذلك فالحرب أبعد من أن تحقق هذه الأهداف.

 

يقول كوبي ميخائيل - باحث في مركز دراسات الأمن القومي - أنه "من أجل ضمان الخيار المفضل بالنسبة لإسرائيل في قطاع غزة، يجب الاعتراف بحقيقة وجود القطاع ككيان سياسي وبحماس كصاحبة سيادة، يجب التعامل معها في إطار تفاهمات وتعاون، ليست اتفاقات مختومة أو تسوية دائمة".

 

ريما يجدر بكتاب محددين وقريبين من صانع القرار في حماس أن يتحدثوا ويحذروا من التصعيد لإيصال رسائل للعدو، أما غير المقربين من حماس فواجبهم موازنة ذلك بالتهدئة، وطمأنة المجتمع، فلا يجوز إشغال المجتمع بالحديث عن الحرب.