08-2840531 عمارة الغول - الطابق الرابع

"القدس عربية إسلامية "مهوى أفئدة المسلمين

خنساء فلسطين - 

يحيى موسى الزهراني

الحمد لله على ما منح من النعماء ، والشكر له على عظيم الآلاء ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ونعوذ به من مكر الأعداء ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله جعلنا على المحجة البيضاء ، وحذر من الاختلاف والشحناء ، والفرقة والبغضاء ، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الأوفياء ، الذين استقاموا على النهج وقصدوا الحق ، فكانوا إخوة أصفياء ، ورضي الله عن التابعين المؤمنين الأخلاء ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، ومن سار على نهجهم واجتنب سبيل أهل الأهواء . . . أما بعد :


فاتقوا الله عباد الله ، واعلموا أنكم ملاقوه ، ولن تعجزوه ، قال تعالى : " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً " . 



أيها المسلمون : إن القضية الفلسطينية ، قضية جميع الفلسطينيين والعرب والمسلمين ، وليست قضية الفلسطينيين فقط ، ولا قضية العرب فقط ، كما صورها أعداء الدين ، حتى انطلى الأمر على كثير من المسلمين ، بل هي قضية تخص كل مسلم ومسلمة ، أليس الله يقول : " إنما المؤمنون اخوة " ، أليس يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " المسلم أخو المسلم ".



أمة الإسلام : أكثر المسلمين اليوم لا يعرف عن القدس إلا اسمها ، هذه البقعة الطيبة الطاهرة ، والتي يدعيها اليهود ، وأنهم أحق بها من أهلها ، فحتى تتبين الحقائق ، وحتى تتضح الصورة واضحة جلية ، فقد كتب التأريخ العربي والإسلامي واليهودي والنصراني عن هذه البقعة ومن سكنها منذ آلاف السنين ، فالقدس أرض عربية إسلامية ولو كره الكافرون ، ولو زمجر المغرضون ، ونهق الناهقون .



اخوة الإيمان : لقد كانت القدس مسكونة منذ زمن موغل في القدم ، وكانت مقصد البشر منذ ذلك الزمن ، وأول من سكن القدس هم اليبوسيون من بطون العرب الكنعانيين من جزيرة العرب ، وكان ذلك قبل 3500 سنة قبل الميلاد ، وهذا هو الذي يشهد له التأريخ البشري ، ومن المتفق عليه بين المؤرخين ، حتى اليهود أنفسهم ، ولذا كان أقدم اسم سميت به فلسطين كنعان نسبة للكنعانيين العرب الذين قطنوها إبان ذاك ، ثم تصدى اليبوسيون للهجمات الشرسة من اليهود منذ ذلك الوقت ، بقصد الاستيلاء على القدس ، ولكن باءت محاولاتهم بالفشل ، فسكن العرب وهم سكان فلسطين الأصليون مع قبيلتي بنيامين ويهوذا من أسباط بني إسرائيل في أورشليم ، ثم توالت المحاولات من بني إسرائيل لإخراج العرب من بلادهم والسيطرة عليها ولكنها فشلت كسابقاتها ، فبقيت السلطة للعرب حقبة من الزمن ، يناضلون عن ديارهم ، ويدافعون عن مقدساتهم ، وبقيت القدس تحت السيطرة العربية إلى عهد نبي الله داود عليه السلام ، حيث فتح بيت المقدس ، ثم بعد موته ، جاء ولده سليمان عليه السلام ، ليكمل الهيكل الذي بدأه أبوه ، وبعد أن اندثر ذلك الهيكل وانهدم ، وزالت معالمه تماماً ، إلا أنه لا يزال مسيطراً على أفكار اليهود ومعتقداتهم الدينية ، بل أعطوه كل المعاني الحربية والعسكرية الممكنة . إنه هيكل مزعوم وخرافة كاذبة يدعيها أعداء الله اليهود عليهم لعائن الله المتتابعة ، فمع ما قدمه لهم أنبياؤهم من إدخالهم إلى بيت المقدس ، وسيطرتهم عليه ، بعدما كانوا أذلة صاغرين ، خائفين مذعورين ، بعد ذلك كله ، قتلوا أنبياءهم ، وكذبوهم ، بل وألحقوا بهم التهم الباطلة ، كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً .



أيها الاخوة الكرام : لقد بعث الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم هادياً ومبشراً ونذيراً ، حتى بشر النبي الكريم بفتح الشام وبيت المقدس ، فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : عن النبي صلى الله عليه سلم قال : " ست من أشراط الساعة : وذكر منها : وفتح بيت المقدس " [ حديث صحيح صححه الألباني ] . فكاد له اليهود العداء حتى حاولوا قتله مراراً وتكراراً ، ولكنهم باءوا بغضب من الله ولعنة . 



ثم توالت الفتوحات الإسلامية في عهد نبي الرحمة والهدى صلى الله عليه وسلم ، وفي عهد خلفائه الراشدين ، ففي عهد الخليفة أبي بكر الصديق أغار المسلمون على الروم في معركة أجنادين ، وكان جيش الروم يقدر بأكثر من مائة ألف مقاتل ، في حين كان عدد المسلمين ثلاثة وثلاثين ألفاً ، وكان قائد المسلمين في تلك المعركة سيف الله المسلول خالد بن الوليد رضي الله عنه ، فدارت رحى الحرب بين المسلمين والروم ، فكان القتال مريراً ، حتى كتب الله النصر لأوليائه ، والدحر لأعدائه ، فانتصر المسلمون نصراً مؤزراً ، وقد فتحت عدة مدن فلسطينية آنذاك ، منها عسقلان ونابلس والرملة وعكا واللد ، وفتح عمرو بن العاص مدناً أخرى منها يافا ورفح ، وغزة . وبهذا مهدت الجيوش الإسلامية في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه الطريق للزحف نحو بيت المقدس . وبعد موت الصديق تولى الخلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ، وكان على جيوش المسلمين أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه ، فحاصر أهل إيلياء ، شهوراً عدة ، وكان أهلها يتحصنون بالحصون المنيعة ، حتى نزلوا على الصلح مع المسلمين ، وذلك بأن يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ، ويكونون تحت الحكم الإسلامي ، ولم يجرؤ اليهود طوال أيام الخلفاء الراشدين ، والخلافة الأموية على الاستيطان بالقدس ، فبقيت القدس دولة إسلامية شامخة لا يهز كيانها وإباءها أي يهودي أو صهيوني كافر متملق ، حتى وقعت القدس تحت طائلة الحكم العبيدي الفاطمي في عهد المعز لدين الله ، ثم توالت الحروب للاستيلاء على فلسطين ، ولقد عادت السيطرة الصليبية على بيت المقدس حتى عام 583هـ ، حيث هيأ الله تعالى للأمة رجلاً صالحاً عمل على توحيد الأمة الإسلامية تحت راية واحدة ، إنه صلاح الدين الأيوبي ، الذي انطلق لعملية الفتح الإسلامي ، فبعد معركة حطين ، توجه نحو عسقلان ، ومنها إلى القدس ، وفرض عليها حصاراً قوياً اضطر معه الصليبيون إلى الاستسلام ، وما إن توفي البطل صلاح الدين الأيوبي حتى دب الخلاف فيمن بعده بسبب أطماع دنيوية ، ودسائس يهودية ، وخيانات سياسية . فسلمت القدس مرتين للصليبين دون قتال .



أيها الأحبة في الله : بيت المقدس ثالث الأماكن المقدسة للمسلمين ، فيه المسجد الأقصى ، وإليه أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم ، ومنه عرج به إلى السماء السابعة ، وهو أولى القبلتين ، ومهوى أفئدة كثير من المسلمين . ولكن نتيجة لبعد المسلمين عن دينهم ، وتفرق كلمتهم ، وشتات أمرهم ، وابتعاد دويلاتهم ، وحب الدنيا بينهم ، وقعت فلسطين تحت الحكم البريطاني عقب الحرب العالمية الأولى ، وكان ذلك فرصة كبيرة للهجمة العنصرية اليهودية المدعومة بالعون الصليبي ، حيث سهلت لهم بريطانيا سبيل الهجرة إلى فلسطين ، لأن بريطانيا ضاقت باليهود ذرعاً في بلادها ، نتيجة المكر والخيانة التي عُرفوا بها بين الشعوب العالمية ، فهيأت لهم بريطانيا الجو المناسب لتنظيم أنفسهم ، وتدريبهم على السلاح ، وحاول الفلسطينيون الوقوف في وجه اليهود وأعوانهم ، وكاد جهادهم أن يكلل بالنجاح ، لولا تخذيل الحكومات العربية لهم ، ورفع يد المعونة والمساعدة عنهم ، والخيانات التي وقعت ضدهم ، وانحياز أمريكا إلى جانب اليهود ، حتى وقعت فلسطين تحت سيطرة اليهودية الآثمة منذ عام ألف وثلاثمائة وسبعة وستين للهجرة ، حيث أعلن اليهود عن إقامة دولة إسرائيل ، وباركت جميع الدول الكافرة تلك الشوكة في حلوق العرب والمسلمين ، حتى يأمن الغرب غارات الدول الإسلامية ، أو إقامة رايات الجهاد على دول الكفر والإلحاد ، فوضعت إسرائيل عقبة تعيق كل مسيرات الدعوة إلى الله ، ومازال الفلسطينيون منذ ذلك اليوم يعانون أشد أنواع الاضطهاد والتعذيب والتشريد والقتل والهدم والاغتصاب على مرأى من جميع دول العالم العربي والإسلامي . 



معاشر المسلمين : أين أنتم عن جرائم الحرب الإبادية التي يقوم بها اليهود الصهاينة ضد إخوانكم في فلسطين ، إنها مجازر ومذابح جماعية ، لقد قتلوا في الغارة الماضية على مخيم جنين ، مئات القتلى من المسلمين الشهداء ، وأودعوهم مجاري المياه ، وأماكن التصريف الصحي ، وفاحت روائح جثث المسلمين ، ودفنوا الكثير منهم حتى لا تُكتشف تلك المذبحة اليهودية الفادحة ضد شعب فلسطين المسلم ، إنها أوسمة من الفضيحة والعار تحيط برقاب المسلمين في كل مكان ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، اللهم إنا نبرأ إليك مما فَعل الخونة من المسلمين ، ونعوذ بك مما فُعل بالمسلمين .
يقول الملك عبد العزيز رحمه الله : ما من شك في أن الحركة الصهيونية تجند الأنصار والأتباع ، بينما العرب ليس من ينصرهم إلا الله ، ثم حقوقهم الصريحة في أوطانهم وأنا لا أخشى اليهود ، لأن الله سبحانه وتعالى قد ضرب عليهم الذلة والمسكنة إلى يوم القيامة ، وإذا كنا متمسكين بمعتقدنا عاملين بأوامر ديننا بإذن الله لن نخشى اليهود ولن نبالي بهم لأن الله تعالى معنا " . 



أمة الإسلام : يجب على المسلمين أن يتعاونوا جميعاً على اختلاف ألسنتهم وألوانهم ، وعلى تباين دولهم وأجناسهم لرد فلسطين إلى أهلها , وصيانة المسجد الأقصى مهبط الوحي ومصلى الأنبياء الذي بارك الله حوله ، صيانته من دنس الصهاينة الغاصبين ، وحماية أثار المشاهد الإسلامية من أيدي هؤلاء العابثين وأن يعينوا المجاهدين بالسلاح وسائر القوى على الجهاد في هذا السبيل وأن يبذلوا كل ما يستطيعون ، حتى تُطَهَّرَ البلاد من أثار هؤلاء الطغاة المعتدين . كيف ويعلم الناس جميعاً أن اليهود يكيدون الإسلام وأهله ودياره أشد الكيد منذ عهد الرسالة إلى الآن , وأنهم يعتزمون أن لا يقفوا عند حد الاعتداء على فلسطين و المسجد الأقصى , وإنما تمت خططهم المدبرة إلى امتلاك البلاد الإسلامية الواقعة بين نهر النيل و الفرات . وإذا كان المسلمون جميعاً ـ في الوضع الإسلامي ـ وحدة لا تتجزأ بالنسبة إلى الدفاع عن بيضة الإسلام , فإن الواجب شرعاً أن تجتمع كلمتهم لدرء هذا الخطر والدفاع عن البلاد واستنقاذها من أيد الغاصبين . إننا نوقن بأن فلسطين أرضاً إسلامية وستبقي إسلامية وسيحررها أبطال الإسلام من دنس اليهود كما حررها الفاتح صلاح الدين من دنس الصليبيين , قال تعالى : " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنت لا تظلمون " .


عباد الله : إن الشباب عماد الأمة ، وقوامها الذي تقوم به ، ومجدها الذي تعتز به ، ودرعها الذي يقف سداً منيعاً لها من أعدائها ، ولكن هل الشباب اليوم ، هم أولئك الشباب الذين تترقبهم أمتهم ، أهم أولئك الشباب الذين يحذرهم أعداؤهم ، إن شبابنا اليوم ، شباب بطن وفرج ، شباب شهوة وسياحة ، سياحة لمعاقرة الخمور والمخدرات ، وفعل الفاحشة بالعاهرات ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : " إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله " [ رواه الحاكم في المستدرك وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ] ، شبابنا اليوم إذا طلبتهم ، وجدتهم على الأرصفة مجتمعين ، وحول الدشوش متحلقين ، شباب الإسلام اليوم ، شباب لهو وغفلة ، شباب رقص وغناء ، وتقليد للكفار والرعناء ، فآه ثم آه لشباب الإسلام ، أهؤلاء الشباب هم الذين سيحررون مقدسات المسلمين ؟ أهؤلاء الشباب هم الذين سيثأرون من اليهود الغاصبين ، والنصارى الحاقدين ، والعلمانيين المنافقين ؟ أشباب اليوم هم أحفاد عمر بن الخطاب ، وعمرو بن العاص ، وخالد بن الوليد ، وصلاح الدين ؟ إذا كانت الأمة اليوم عاجزة عن إنجاب مثل أولئك الأبطال المجاهدين والمحررين الفاتحين ، فلنقم على أنفسنا مأتماً وعويلاً ، وصراخاً ونحيباً .



أيها الاخوة المؤمنون : إن العالم الإسلامي والعربي بأسره ، يقف وقفة ذل وصغار ، وقف مسكنة وعار ، أمام تلك الأحداث الدامية في فلسطين ، إن العالم الكافر بقيادة دولة الكفر الأمريكية والبريطانية الفاجرتين ، يقف صفاً واحداً مع الشعب اليهودي من أجل القضاء على المسلمين ، في كل بقاع الأرض ، والدول الإسلامية تقف وقفة عجيبة غريبة من القضية الفلسطينية ، وقفة سلبية ، فماذا ينتظرون وقد أعلن خنزير اليهود ، وطاغية الصهاينة الحرب على الفلسطينيين ، بل وعلى المسلمين أجمعين ، وبدأ بالإبادة الجماعية لهم ، بكل قوة وجرأة ، والله تعالى يقول : " ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً " ، وقال صلى الله عليه وسلم : " لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم " [ رواه الترمذي ] ، فما ذا بقي أيها المسلمون ، لقد أعلن اليهود عليهم لعائن الله المتتابعات أعلنوا الحرب على المسلمين ، فلماذا الانتظار ، ولماذا الاختباء ، ولماذا تدفن الرؤوس في التراب كالنعام ، أينتظر المسلمين أن يحل بهم ما حل بإخوانهم في فلسطين ، أينتظرون أن تحتل ديارهم ثم يصرخون ويولولون ، والله لن يرتدع اليهود والنصارى عما هم عليه من الطغيان والقتل والبغي والعدوان ، حتى يقف المسلمون يداً واحدة ، ولن يرتدع الأعداء حتى يروا المسلمين صفاً واحداً يقاتلون أعداء الله تعالى ، لن يرتدعوا حتى يروا المسلم ينصر أخاه المسلم ، ويتمعر وجهه إذا أُسيء إلى أخيه المسلم ، أو قُتل ، أو أُغتصبت أرضه ، أو انتهك عرضه ، أينما كان ، وحيثما وجد ، هكذا سيكون للمسلمين شوكة ، هكذا سيكون للمسلمين منعة وعزة ، وهكذا ستقوم للمسلمين قائمة " إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم " ، " رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً " .



أمة الإسلام : هاهي الصيحات والصرخات ، وهاهي الاستغاثات والآهات تتدفق من هنا وهناك ، تنطلق من كل حدب وصوب من أرض فلسطين الحبيسة المغتصبة ، إنها صرخات الثكالى ، إنها استغاثات الأيتام والأرامل ، وآهات كبار السن والرضع ، يشكون إلى الله تعالى ضعف حالهم ، وهوانهم على شعوب المسلمين ، فلا معين لهم ولا نصير ، ولا مساند ولا ظهير ، " إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور * أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير " ، إن إخوانكم المسلمين في القدس المحتلة ينادون ، ويستغيثون ، إنها دماء تتدفق ، ودموع تنهمر ، وجراح لن تندمل ، وأحزان وأتراح لن تنجبر ، والله ثم والله إن النصر لنا ما تمسكنا بديننا ، وراجعنا أنفسنا ، فالله تعالى يقول : " كم من فئة قليلة غلبة فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين " ، ويقول جل جلاله : " ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون " ، لقد كان عدد المسلمين في غزوة بدر الكبرى قرابة الثلاثمائة وأربعة عشر مقاتلاً ، وكان جند الكفر إذ ذاك يفوق الألف مقاتل ، ولكن الله معهم يسمع ويرى ، " وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي المؤمنين منه بلاءً حسناً إن الله سميع عليم " ، يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفاً من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون * الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين " ، لقد قتلت أسر بأكملها ، ولقد دمرت منازل بأهلها ، فلم يبق منها إلا شاب أو فتاة ، فقدما نفسيهما من أجل دفن الأحزان ، والثأر للأهل والإخوان ، من أجل طرد العدو الصهيوني الغاصب ، من أجل الجهاد في سبيل الله ، صرخوا فلا مجيب ، ونادوا فلا قريب . وانظروا إلى الفتيات الفلسطينيات في ريعان شبابهن يقدمن أنفسهن ضحاياً وشهداء من أجل دحر العدو الصهيوني ، تقول إحداهن : سأفعل ما لم يفعله رؤساء الدول الإسلامية ، فربطت وسطها بحزام الموت ، وألقت بنفسها بين أيدي اليهود ، فوقعت صريعة وقتلت معها الفئام من القردة والخنازير ، لقد أعطت دروساً في الرجولة والإباء ، دروساً في الصمود والقتال ، لقد أخجلت رجال الأمة وشبابها ، حينما قذفت بنفسها ، تطلب الشهادة والفوز بالجنة ، فسبحان الله كيف تعيش أمة الألف مليون مسلم ، غفلة عجيبة ، ونومة غريبة .



معاشر المسلمين : الجنة غالية ، ومهرها الشهادة في سبيل الله ، الشهادة تريد الرجال الأغوار الأبطال ، الذين يضحون بأنفسهم رخيصة في سبيل الله ، الذين يحملون أعناقهم على أكفهم ، ليقدموها مهراً لجنة الخلد وملك لا يبلى ، إلى متى سيعيش الإنسان ، وكم سيعيش ، مائة سنة أو أكثر أو أقل ، ثم ماذا بعد ذلك ، إنه الموت الذي لا مفر منه ، ولا مناص عنه قال تعالى : " كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور " [ آل عمران ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : " أعمار أمتي ما بين الستين والسبعين ، وقليل من يجاوز ذلك " [ رواه ابن حبان والترمذي ] .

إن كانت هذه هي الحياة ، أكل وشرب ونوم ونكاح ثم موت ، فمرحباً بالموت ، ولكن في سبيل الله ، فالشهادة مطلب كل مسلم ، لما للشهيد من أوفر الحظ والنصيب عند السميع الحسيب ، ولما له من منزلة عالية في الجنة ، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " من قتل دون ماله فهو شهيد " [ رواه البخاري ] ، وعن معاذ بن جبل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من جرح جرحاً في سبيل الله جاء يوم القيامة ريحه كريح المسك لونه لون الزعفران عليه طابع الشهداء ومن سأل الله الشهادة مخلصاً أعطاه الله أجر شهيد وإن مات على فراشه " [ رواه ابن حبان ] . وعن المقدام بن معدي كرب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " للشهيد عند الله ست خصال : يُغفر له في أول دفعة ـ يعني من دمه ـ ويرى مقعده من الجنة ، ويجار من عذاب القبر ، ويأمن من الفزع الأكبر ، ويوضع على رأسه تاج الوقار ، الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها ، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين ، ويشفع في سبعين من أقاربه " [ رواه الترمذي وصححه الألباني ] . وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة " [ رواه الترمذي وقال حسن صحيح ، ووافقه الألباني ] . 



أيها الاخوة : كانت تلك بعض الكلمات والنقولات عمن أهمهم أمر الدين ، وأرَّقهم ما يحصل للمسلمين ، من ذل واضطهاد ، وقتل وتشريد ، فهي عبارات وآهات سطرتها الأقلام على الأوراق ، وسطور عبرت عما في النفس من حزن وأسىً للواقع المر الذي تمر به الأمة الإسلامية ، في ظل غياب الوازع الديني عن كثير من أفرادها ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، قال تعالى : " وضرب الله قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون " . ولكن نرجو من الله تعالى أن يحقق لنا وعده بقوله تعالى : " ألا إن نصر الله قريب " وليس ذلك على بعزيز . وأسأل الله تعالى الإخلاص في القول والعمل ، إنه سميع قريب مجيب .


اللهم أعز الإسلام والمسلمين ، وأذل الشرك والمشركين ، ودمر أعداء الدين ، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين ، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان ، اللهم اربط على قلوبهم ، اللهم سدد رميهم ، وقوي عزائمهم ، وكثر عددهم وعتادهم ، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا ذا الجلال والإكرام يا ذا الطول والإنعام ، اللهم يا قوي يا عزيز ، يا جبار السموات والأرض ، اللهم قاتل الكفرة الفجرة من اليهود والنصارى ، والشيوعيين والعلمانيين الذي يحاربون أولياءك ، ويدينون بغير دينك ، اللهم أدر الدائرة عليهم ، واجعل تدبيرهم تدميراً عليهم ، اللهم أضعف شوكتهم ، وأخطئ رميهم ، وأضل أفكارهم ، وأفسد مخططاتهم ، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك ، اللهم اجعل كيدهم بينهم ، اللهم أنزل عليهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين ، اللهم أهلكهم بالقحط والسنين ، يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء ، اللهم وفق ولي أمرنا بتوفيقك ، وأيده بتأييدك واجعل عمله في رضاك ، اللهم ارزقه البطانة الصالحة الناصحة التي تدله على الخير وتعينه عليه ، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ، وأدخلنا الجنة مع الأبرار ، اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا ، وما أعلنا وما أسررنا ، وما أنت أعلم بها منا ، أنت المقدم وأنت المؤخر ، لا إله إلا أنت . سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين .