08-2840531 عمارة الغول - الطابق الرابع

ميلاد المصطفى … ميلاد أمة

ميلاد المصطفى … ميلاد أمة

خنساء فلسطين / محمد شحادة

إن الأوضاع التي كان عليها العرب الأول بجزيرتهم وقبل الإسلام لم تعد سرا تضن به المؤرخات الوثيقة، أو أن أنباءها لم تنلها يد المؤرخين منذ ذلك الحين؛ ففي بساطة من العرض التاريخي يتبين لنا في إيجاز ما كانت عليه تلك الأوضاع بين هؤلاء القوم في مجالات السياسة والدين والاجتماع.

 

الوضع السياسي

 

كان العرب في جاهليتهم يسود مجتمعهم النظام القبلي، بمعنى أن القبلية تمثل الوحدة التي رباطها الدم والعصبية، وتلحق القبلية بها العبيد والفقراء الذين يلوذون بحماها، دون أن تربطها بهم عادة صلة قرابة بالمعنى المعروف.

 

والحرية عند العربي أساس حياته، لا يقبل التنازل عن جزء منها مهما كان المقابل، وإلى جانب هذا نراه يتحلى بصفات أخرى كريمة؛ كالشجاعة والكرم وحماية الجار، وهي صفات ترقى بصاحبها – في كثير من الأحيان – إلى سيادة القبيلة، بيد أنه – من زاوية خاصة – نلاحظ أن تلك الحرية الشخصية كثيرا ما تبلورت عند الأفراد إلى أنانية مفرطة، حتى لتعوق أحيانا تنفيذ أحكام شيخ القبيلة، بل ربما أدى الأمر في هذا الشأن إلى التمرد والعصيان، وهكذا بينما نرى أن مسؤوليات زعيم القبيلة تبدو ضخمة، نلاحظ – في الوقت نفسه – أن سلطاته التنفيذية محدودة.

 

الوضع الديني

 

إن تاريخ الأديان العام يؤكد لنا أن أرض المبعث قد احتوت على كافة الأديان التي اعتنقتها البشرية قبل الإسلام؛ فقد عرفت الوثنية في مكة، والمسيحية في نجران والحية وغسان وتخوم الحبشة، والموسوية في يثرب وما حولها من مستعمرات يهود شمال الحجاز، وعرفت الصابئة عبادة النجوم، وسمعت عن المجوسية بحكم اتصال إمارة المناذرة العربية بالفرس.

 

ولكن ما من شك في أن الوثنية بالجزيرة قد اتخذت من بين هذه الأديان طابع الغلبة والانتشار، ولاسيما في مكة وما جاورها، بحكم المركز الديني الذي لا ينازع لهذه الأخيرة، حتى لقد أضحت محج العرب في جاهليتهم، يفدون إليها من كل صوب.

 

كذلك ما من ريب في أن هذه الوثنية لم تكن ذات أصالة عند العرب، فقد وفدت إليها كغيرها من المعتقدات بصورة أو بأخرى. ولعل رواية «الكلبي» في هذا الصدد أقرب ما يكون إلى الصحة؛ فقد جاء في كتابه «الأصنام» ما يرجع به الكيفية التي دخلت بها هذه المعبودات مكة؛ ومؤدى هذا أن عمرو بن لحي الخزاعي كان حاجبا للكعبة، ثم أصابه مرض ثقيل، فذهب يستشفى منه في البلقاء بالشام، بأن يستحم في عين هناك، وكان أن قدر له الشفاء بهذا العلاج، وتصادف أثناء استشفائه أن رأى أهل البلقاء يعبدون الأصنام، فسألهم عن شأنها، فأجابوه بأنهم يستسقون بها الأمطار، ويستنصرون بها على الأعداء!! فطلب إليهم أن يستصحب بعض اًمنها إلى قومه، وكان أن قدم بها إلى مكة، ووضعت حول الكعبة، وبمرور الزمن تعلق الناس بهذه الأصنام، وتوارثوا هذا التعلق، الذي أدى بهم في النهاية إلى تأليهها وتقديسها.

 

ولقد كان من بين عباد الأصنام وعباد مظاهر الطبيعة على الخصوص من أدركوا بحاسة خفية أن هناك قوة إلهية بعيدة من كل هذه الأوهام، فجاهروا بما اعتقدوا غير وجلين ولا متهببين، بيد أن هؤلاء كانوا قلة محدودة، بحيث لم يكن في إمكانها الوقوف أمام الوثنية أو ما شاكلها، ويذكر التاريخ منهم قس ابن ساعدة الإيادي، وأمية بن الصلت، وورقة بن نوفل.

 

وتجدر الإشارة – في صدد الحديث عن الوضع الديني – إلى ما كان سائدا لدى العرب من عادات يومئذ، كضرب القداح، وزجر الطير، وغيرها من التقاليد، تلك التي كان مبعثها الوهم والتخيل، دون أن يتوفر لها قوة الواقع، أو برهان اليقين.

 

الوضع الاجتماعي

 

كذلك من عادات العرب – في هذا المجال يومئذ – أنهم كانوا لا يزوجون بناتهم للأعاجم، وقصة النعمان بن المنذر مع كسرى – في هذا الشأن – خير شاهد على هذا لاتقليد؛ فقد رفض النعمان أن يزوج إحدى بناته لكسرى، ودفع حياته ثمنا لتلك، ولن تبعد في الزمن كثيرا؛ فما زالت عادة كهذه على الخصوص تسود كثيرا من القبائل العربية في مجتمعاتنا.

 

ومن العادات الاجتماعية الكريهة عند عرب الجاهلية، ما عرف بينهم من «أن زوجة الأب كانت تورث كما يورث المتاع»، وهو ما عرف في الفقه الإسلامي بنكاح المقت، وكان قاصرا حينئذ على المرأة التي ليس لها أولاد كبار، وربما كان هذا راجعا إلى ما رسخ في أذهانهم من أن المرآة بزواجها قد انحلت صلتها بأسرتها، وبالتالي أصبحت قطعة من بيت زوجها.

 

ومن المبادئ السيئة التي كانت تسود المجتمع العربي القديم، ما شاع بين القوم يومئذ من نصرة الأخ ظالما كان أو مظلوما، حتى أضحى مثلا جاريا، وغنى عن البيان ما كان يجره هذا المبدأ من خصومات بين أبناء الاثنتين عادة؛ كما حدث بين ابني عبد مناف (هاشم وأمية) ، وبين العباسيين والعلويين، مع أنهما فرعا عبد المطلب بن هاشم!!

 

وبعد... فهل نستطيع بعد هذا العرض لتلك الأوضاع عموما أن نقول: أن ظهور الإسلام بالحجاز كان انقادا للمجتمع العربي، وإعدادا للمسؤولية التي ألقاها هذا الدين على عاتق العرب؟ وبالتالي ألا يكون مولد الرسول ميلاد الأمة العربية؟

حقا؛ فقد كانت الأحوال السياسية والدينية والاجتماعية في الجزيرة العربية – كما رأينا – قبيل الإسلام خاصة مدعاة لإنقاذ سريع، وتغيير يكاد يكون شاملا في هذه المجالات؛ فقد استشرى وبال ما ساء منها، وجله كان يخضع لعامل الوراثة، «إنا وجدنا آباءنا على أمة»، وتطلع العقل البشري للخلاص من نير التقليد، ومن زاوية أخرى طالما تاقت النفوس يومئذ إلى حياة يسودها السلم والأمن، بعد تلك الحروب القبلية الطاحنة، فكانت ولادة المصطفى صلى الله عليه وسلم إيذانا بنجاة البشرية مما قاسته؛ فقد اضطلع محمد النبي العربي بأسمى رسالة في الوجود، حيث بعثه الله إلى العالمين بشيرا ونذيرا «وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة.

 

لقد جاء الرسول بكتاب من عند الله «لا يأتيه الباطل من  بين يديه ولا من خلفه» جمع بين دفتيه تشريعات سماوية؛ ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وليقودهم إلى حيث رفاهيتهم في دنياهم، ونجاتهم في أخراهم، فكانت أسسه – بهذا الاعتبار – صالحة لكل زمان ومكان، وأنه بالتالي يكون الإسلام دينا ودولة؛ إذ معظم الآيات القرآنية هدفها التشريع، وقد شرحها الرسول بقوله أو بعمله، كما أشار النبي – فعلا أو قولا – لما لم يرد فيه نص قرآني، وعلى هذا وجد مصدر للتشريع الإسلامي (القرآن الكريم والحديث الشريف).

 

ويجمل بنا في هذه المناسبة أن نورد إشارات من هذه التشريعات على سبيل المثال لا الحصر طبعا؛ ففي مجال السياسة أقر الدين مبدأ الشورى، فقال تعالى: «وأمرهم شورى بينهم»، وفي مجال الاقتصاد وضع الإسلام مبدأ كفالة المجتمع بعضه لبعض يقول الرسول: «ليس بمسلم من بات شبعان وجاره جائع وهو يعلم»، ومن الأسس في مجال الاجتماعات مبدأ المساواة بين الجميع في الحقوق والواجبات، أيا كان الجنس واللون والدين «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم» فالتقوى – إذن – وحدها مجال التفضيل بين العباد، يتبع هذا حسن المعاملة للجميع «وقولوا للناس حسنا». هكذا لا نكاد نحصر تلك التشريعات الإسلامية الفريدة، ولاسيما منها ما كان متصلا بالنواحي الاجتماعية؛ كقوانين الزواج والطلاق والميراث، وتنظيم الأسرة، وما إلى ذلك من التنظيمات التي أنقذت المجتمع العربي، واضطلع المسلمون بنشرها بين العالمين في كل زمان ومكان، وتحملا منهم للمسؤولية التي ألقاها الإسلام على عواتقهم جيلا بعد جيل.. «ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير، يأمرون وينهون عن المنكر».