08-2840531 عمارة الغول - الطابق الرابع

بين بلفور و أوسلو خيانة أمة

بين بلفور و أوسلو خيانة أمة

 

خنساء فلسطين /الأردن

 

يمر علينا في الأيام القادمة الذكرى المئوية لوعد من لا يملك لمن لا يستحق "تصريح بلفور المشؤوم" الذي ينص على إنشاء وطن قومي لليهود على أرض فلسطين.
 

وبعد مرور مئة عام على هذا الوعد مازلنا نحيي تلك الذكرى حتى أصبحت فلكلور وطني لا أكثر، ومازال الاحتلال يتسرطن ويستوطن بشكل مستمر على أرضنا الفلسطينية.
 

بدأت الحكاية منذ أن رسى القارب الأول على شواطىء يافا الفلسطينية وكان يحمل هؤلاء المشردين من أوروبا، فقد كانوا هؤلاء الشرذمة من اليهود يحملون راية دولتهم الموعودة دون علم معظم الشعب الفلسطيني بتلك الخطط الصهيونية، وبدأ هؤلاء المشردين بالسرطنة الاقتصادية والثقافية والعسكرية ايضاً ضمن خطة واضحة الوجهة والبوصلة.
 

إن ديموغرافية اليهود في فلسطين بدأت منذ إعلان أول مستوطنة يهودية عام ١٨٧٠ بإسم "مكفا اسرائيل" أي يعني أمل اسرائيل وبعدها بسبع سنوات قام مجموعة يهود بإنشاء المستوطنة الثانية وهي بتاح تكفا وتسمى أم الموشافوت أي "أم البلدات اليهودية"وإستمرت  مسيرة اليهود بإنشاء المستوطنات واحدة تلو الأخرى في مرحلة القرن التاسع عشر لتصل الى ٢٢ مستوطنة يهودية على ٤١٨ الف دونم فلسطيني.
وهنا بدأت تظهر معالم السرطان الصهيوني بشكل واضح في فلسطين.
 

فقد تولت تلك المستوطنات اليهودية عمليات السيطرة والإستيلاء على الأراضي الفلسطينية بكل الوسائل المتاحة بطرق مباشرة و غير مباشرة منها الشراء أو الإستئجار بأسماء عربية و أجنبية، و في تلك الفترة تم إنشاء مؤسسات صهيونية مهمتها تنفيذ و دعم الخطة الاستيطانية، فمن بين تلك المنظمات الوكالة اليهودية التي صدرت عن المؤتمر الصهيوني العالمي الأول عام 1897م، والشركة الإنجليزية الفلسطينية والصندوق القومي اليهودي وصندوق التأسيس اليهودي و الجمعية اليهودية للاستيطان.
 

وعند دخول القرن العشرين بدأت المرحلة الذهبية الإستيطانية لليهود كما يسمونها، فأصبحت لهم قوة على الارض الفلسطينية بدعم بريطاني بعد سقوط الدولة العثمانية و تصريح بلفور لإقامة دولة يهودية، والذي أعتبر كنقلة نوعية لليهود، فلم يعد إقامة الدولة هو عاتق عليهم لوحدهم بل أيضاً على بريطانيا و فرنسا التي أصدرت وعد "كمبن" الذي ينص على إقامة دولة يهودية دون ذكر الموقع الجغرافي.
 
في تلك المرحلة دمج الإنتداب البريطاني وعد بلفور مع صك الإنتداب البريطاني على فلسطين، حيث تلزم المادة السادسة بريطانيا بتسهيل نقل المهاجرين اليهود من أوروبا إلى الأراضي الفلسطينية حيث أصدرت قرارات ساعدت اليهود على سهولة الإستيلاء و الإستيطان مثل قرار نقل الملكية للمنظمات اليهودية و قرار منح ١٧٥ألف دنم تحت سيطرة المنظمات اليهودية بحجة إقامة اللاجئين اليهود عليها مما أدى الى اندلاع ثورة فلسطينية في عام ١٩٢١م لاسقاط كل تلك القرارات التي صدرت من الانتداب البريطاني.
 

 
وبعد تثبيت قواعد الإستيطان على الأراضي الفلسطينية بدأ اليهود بالإستيلاء على الموارد الفلسطينية و المؤسسات الخدمية و الأماكن الدينية و الثقافية.
 

ففي عام ١٩٢٣ تمت السيطرة على شركة الكهرباء في مدينة حيفا و من ثم بدأت السيطرة على المصادر المائية في الشمال الفلسطيني منذ الفترة الأولى من وصولهم حيث تم إنشاء أول شركة مياه اسرائيلية "مكوروت" في عام ١٩٢٨، ولم يقتصر مشروعهم السرطاني على السيطرة الإقتصادية فقط، فالثقافة لم تسلم منهم فقد إستطاعوا من الوصول الى المسارح الثقافية و دور السينما في مدينة يافا و حيفا و لم يعد هناك أي نشاط ثقافي إلا و كان ورائه الماكينة اليهودية التي تكتب السيناريو و تحرك المشهد كما تراه مناسباً.
 

 
للإسف إن شعبنا الفلسطيني في تلك المرحلة كان ينقسم إلى قسمين، القسم الاول كان يشعل الثورة تلو الثورة أمام الإنتداب و الخطة الصهيونية، و لكن القوة البريطانية كانت حريصة على إخماد الثورة وملاحقة مشعليها، فأما القسم الثاني كان مغيب عن التغيرات السياسية في المنطقة بناءً على حسن النية لبعض اليهود على انهم لاجئيين حرب و يجب مساعدتهم لتخطي معاناتهم، رغم أن السياسيين العرب كانوا يحذرون آنذاك برسائلهم بشكل مستمر لشعبنا الفلسطيني بالخطة الصهوينية، ولكن للأسف لا حياة لمن تنادي فالجميع كان مغيب عن ذلك الأمر، فكانت الدعاية اليهودية أقوى بكثير من أي دعاية في الإتجاه المعاكس، فقد إستخدموا العاطفة الشعبية لإظهار اليهود و هم يلجؤون لفلسطين بسبب الحروب الدامية في اوروبا و إضطهاد الشعوب لهم وليس للسيطرة على فلسطين كما يقول بعض "المخربيين"، وبالفعل نجحت تلك الدعاية الكاذبة.
 

 
نعم هذا التصريح كان هو السبب الرئيسي لتقوية ذلك الجسد الصهيوني في المنطقة العربية وليس الفلسطينية فقط فمازال السرطان الصهيوني يتمدد في معظم الدول العربية اقتصاديا و فكرياً و إجتماعياً و سلطوياً، فأنا متأكد وكلي يقين بأن باطن الوعد يختلف عن ظاهره. فالظاهر في نص الوعد هو " إقامة مقام قومي في فلسطين للشعب اليهودي" لكن ما أراه في الباطن هو إقامة قاعدة صهيونية على أراضي فلسطينية تتوسع من خلالها في كل رقعة عربية على الصعيد السياسي و الاقتصادي و حتى الثقافي و التراثي.
 

فلو نظرنا في كتاب "الدولة اليهودية" لليهودي تيودور هرتزل مؤسس العقيدة الصهوينية، فسنجد أن الدولة اليهودية مساحتها الجغرافية أضعاف أضعاف المساحة أرض فلسطين. لذلك ما ذكر في الوعد يتناقض تماماً عن ما قاله هرتزل وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن هذا الوعد المشؤوم عباراة عن تمهيد لإنشاء قاعد عسكرية ومنبر سياسي لإحتلال المنطقة العربية بأكملها لإعلان عن دولة نرى خريطتها على العلم الإسرائيلي.
 

في عام ١٩٣٦ حتى ١٩٣٩ بدأت ذروة الهجرة اليهودية حيث تم انشاء ٥٥ مستوطنة يهودية في تلك الفترة و كانت أحد أسباب تزايد الهجرة هي طبول الحرب العالمية الثانية و التي تزامنت مع الدعاية اليهودية عن الارض التي وعد الله بها الشعب اليهودي،وقد كان من أهم تلك الاسباب هي طرح مبادرة تقسيم الدولة في عام ١٩٣٧ من قبل لجنة بيل البريطانية والتي تنص على تقسيم فلسطين الى قسم يهودي و قسم عربي، حيث تم إعلان هذه المبادرة بسبب الثورة الفلسطينية الكبرى التي اندلعت عام ١٩٣٦، فقد كانت تلك الثورة هي بداية إعلان الكفاح الفلسطيني أمام الإنتداب البريطاني و الاستيطان اليهودي في فلسطين.
 
 

 
لم تعطي الدول العربية أي إهتمام لتلك المبادرة فقد ظن الجميع أنها اوهام يهودية آنذاك، ولكن للأسف تلك الأوهام أصبحت حقيقة، ففي عام ١٩٤٧ صوتت ٣٣ دولة من بين ٥٦ دولة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة على قرار تقسيم فلسطين إلى دولتين يهودية و عربية و إنسحاب القوات البريطانية منها وقد أعطى قرار التقسيم 55% من أرض فلسطين للدولة اليهودية.
 
 

وهنا بدأت حكاية النضال العربي و الإسلامي فلم يعد الأمر أوهام كما كان يظن العرب و الفلسطينيين و إن كل تلك الوعودات و القرارات و الخطط لم تخضع و ترمع شعبنا الفلسطيني العظيم و أن يكون مشاهد للحدث فقط، فالثورة الفلسطينية شكلت عائق كبير على تلك الخطط الصهيونية منذ مراحلها الأولى رغم أن الماكينة الصهونية كانت هي الأسبق دائماً بالسيطرة.
 

 
‫إن تلك الوعود و الاتفاقيات و القرارات الدولية وحجمها و تأثيرها بوجهة نظري هي عبارة عن قشة من بين كل الإتفاقيات الصهونية في المنطقة، فالحقيقة أن القشة لم تكن هي التي قصمت ظهر شعبنا بل إن الأحمال الثقيلة هي التي قصمته، فتلك الإتفاقيات العربية الإسرائيلية هي التي ساعدت في زيادة الضغوطات على الشعب و شرعنة الدولة اليهودية على أرضنا، ففي ذلك الحين كان هناك دول عربية تمارس الحب مع الإحتلال من تحت الطاولة و أخرى من فوقها فمنذ اتفاقية "فيصل - وايزمان" في باريس عام ١٩١٧ و التي نصت على إنشاء مجتمع يهودي للتعايش في فلسطين حتى اتفاقية "كامب ديفد" عام ١٩٧٨ التي كانت أحد نصوصها التنازل عن فلسطين بشكل رسمي.
 

 
لقد بدأت الأحمال تزداد يوماً بعد يوم على الثورة الفلسطينية، ورغم تلك الظروف إستمر كفاح شعبنا العربي و الإسلامي في كل رقعة على هذا العالم و لم تتوقف العاصفة الثورية التي تحمل البندقية،حتى حصلت الطامة الكبرى عندما أتت العاصفة السياسية التي أغرقت كل ذلك الكفاح بحمل جديد على ظهر قضيتنا و ثورتنا ألا وهي إتفاقية فلسطينية إسرائيلية " اوسلو" بغيضة فهذه الإتفاقية كانت السيف البتار الذي قصم أضلاع شعبنا و مقاومته في كل مكان و شرعنة ذلك المحتل لتتغير المقولة ضمنياً لتصبح "من الذي يملك لمن يستحق" ضمن نصوص الإتفاقية. نعم إن إتفاقية إوسلو كانت النكبة الكبرى للأمة الاسلامية و العربية و للشعب الفلسطيني بالأخص، عندما تنازلت عن حق شعبنا و حق العودة لللاجئين في الشتات واعترفت بكل تلك المستوطنات التي أقيمت على أرضنا منذ ١٨٧٠ حتى يومنا هذا، فلم يعد ما يمثل الثورة الفلسطينية سوى المحاكم الدولية و قرارات الأمم المتحدة التي شرعنة وجود الدولة الصهيونية بالمقام الأول، فلقد أخمدت تلك الإتفاقية شعلة ثورتنا و تنازلت عن البندقية التي هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفسطيني، فأصبح كل من يحملها هو خائن بقانون السلطة الفلسطينية.
 

 
انا لا أزال مؤمن بالقوة الشعبية و الثورة الفلسطينية رغم تلك الأحمال الثقيلة عليها، فما زال هناك أحرار لا نرى في أعينهم سوى فوهة البندقية والعودة المقدسة لتلك الارض المسلوبة و التي مازالت تسلب يومياً بسبب كل تلك الاتفاقيات و التصريحات الغير ممثلة إلا لأصحابها.
 

إن دورنا الحقيقي كشعب فلسطيني اليوم هو إستئصال سرطان أوسلو من ثورتنا لنعيد للبندقية مكانتها و عقيدتها و زرعها في النفوس من جديد، نعم يا أعزائي إن زوال أوسلو هو بداية زوال الاحتلال بأعوانه و حاشيته و اتفاقياته.
 
للكاتب: قيس عنبتاوي